السيد محمد تقي المدرسي

410

من هدى القرآن

الجاهل كإيمان العالم ، فكلما تقدم العالم في ميدان العلم ، اقترب أكثر فأكثر من حقيقة الإيمان بالله ، ونشأة الكون ، وبدء الحياة ، ولذلك فالإيمان بالله هو قمة العلم والمعرفة . ثانياً : معرفة أحوال الأمم السابقة ، وكيفية نشوئها وتطورها ، والأدوات التي استخدموها ، لا يتم إلا بدراسة الآثار التي تحمل مخلفاتهم ، ومطالعة كتاباتهم ، ونوع تفكيرهم وفنونهم ، عبر النقوش على الصخور والكهوف ، وبتلك الدراسة المستوفاة ، نستطيع التعرف على الأمم السابقة ، وكيف تقدمت ولماذا بادت . ثالثاً : إن الحياة لم تكن على وتيرة واحدة ، وإنما منح ربنا سبحانه الحياة الكمال شيئا فشيئا ، وخلقا بعد خلق ، وليس الأمر كما يقول الجاهلون بأن الطبيعة كانت شعلة متوهجة منذ البداية ، وستبقى هكذا إلى النهاية ، ولو كانت شعلة منذ الأزل لانتفى الكمال ، ذلك لأن فلسفة الكمال تتلخص في : أن المسيرة ابتدأت من وضع غاية في البساطة ، ثم راحت تتصاعد في مدارج الكمال عبر ملايين السنين ، حتى وصلت إلى ما نحن عليه الآن ، وستواصل المسيرة في المستقبل إلى أن تصل القمة التي شاءها الله ، فيأذن بأمره . والعلم الحديث قد توصل إلى هذه النتيجة بدليل علمي وهو قدرة العلماء على اكتشاف عمر الإنسان من الحفريات والآثار التي يعثرون عليها ، عن طريق التحليل الطيفي لذرة الكربون الموجودة في الكائنات العضوية - الحيوان والنبات - وكلما مر قرن من الزمان على ذرة الكربون زاد في عدد نيوتروناتها واحد ، وبقدر ما في الذرة من نيوترونات يعرفون عدد القرون التي مرت على هذه الذرة ، وبالتالي يعرف عمر الجمجمة مثلا بعد معرفة عدد السنين التي مرت على هذه الذرة ، وإن دل هذا الاكتشاف على شيء فإنما يحمل دلالة على أن الإنسان كانت له بداية وكذلك كل الخلائق ، والسير في الأرض هو من اجل معرفة تلك البداية ، وإذا كان الله سبحانه هو الذي أوجد الإنسان في البدء ولم يكن شيئا مذكورا ، أوليس بقادر على أن يعيده مرة أخرى ؟ ! ولا يستطيع أحد أن يقول أن الله ليس بقادر لأن ابتداع الخلق من بعد العدم أصعب بذاته من إعادته ، بعد أن كان - وبالطبع - ليس أصعب على الله سبحانه ، لأن الأمور عند الباري سواء . رابعاً : لكي نعتبر من التاريخ العام بعد التعرف الدقيق على سير الأمم التي سبقتنا ، يجب أن نتيقن بأننا مسؤولون عن أعمالنا ، وأن السنن التي حكمت السابقين تحكمنا أيضا ، والقرآن الحكيم حينما يحدثنا عن التأريخ فإنه لا يتحدث بأسلوب علمي محض لمجرد نقل الخبر دون الاعتبار ، وإنما يخترق الفواصل الزمنية ليبين : أن سنة الله تجري في من يأتي بمثل ما جرت على من مضى .